الإتكيت عند الفراعنة
.png)
:- لايزال الفراعنة ينفردون في عاداتهم وتقاليدهم التي شغلت كثيرا من الباحثين وهم من سبق الحضارات في اداب التعامل مع الأحبه أو الجيران أو آداب التعامل مع من أكبر منهم سنا او مقاما أو التعامل مع الأمهات والآباء وسوف نعرض ذلك بالتفصيل الذي ظهر في نقوش المعابد والمقابر ووثائق البردي والتي تعتز أكبر وأشهر المتاحف في العالم بها ، ومن الثابت في ذلك أن طبيعة مصر وجغرافيتها كان لها الأثر البعيد في تشكيل نفسية وصياغة وجدان شعب وهذه المعجزه المصرية القديمة لا تتمثل في تلك الصروح الشامخه التي أقامها أجدادنا الأولون على نهرهم المقدس فحسب بل شملت كل فروع العلم والفن والمعرفة وساهمت في خلق إنساني أصيل ، لايزال يحتفظ بفرديته وفردية حضارته ،ولقد شغلت التربية السليمة وتقويم سلوك الفرد والجماعة بال حكماء ذلك الزمان القديم أو أنهم إنتبهوا في ذلك الوقت المبكر إلى إستحالة قيام حضارة على النحت في الصخر فقط أو تشييد العمارة الهائلة فحسب ، دون بناء الإنسان المفجر لهذا الإعجاز ، وكان من أبرز ما وصل إلينا وأكثر كشف عن ملامح المجتمع الفرعوني تحديدا لصفاته الأخلاقية وروابطه الإجتماعية ومعملاته وتربيةالأصيلة التي تحكم ذوقة وتضبط سلوكه تلك ( الحكم والنصائح والوصايا) التي كتبها حكماء تلك العصور ومعلميهم على لسان الآباء لبنيهم ، يرشدونهم ويوجهونهم إلى طريق الخير ويحذرونهم من الشر والإعوجاج ومن أشهر تلك النصائح وهي البردية المسماه "نصائح بتاح حتب " الذي كان وزيرا للماك زد كارع "اسيس" من ملوك الأسرة الخامسة والمدفون في جبانة سقارة ، وكان في مقدمة هذه البردية أن سبب كتابتها هو إحساس الوزير بالشيخوخة ، ثم يبدأ الوزير بتاح حتب بعد ذلك في سرد حكمه ونصائحه ، وهي تبدأ بتحذير أولئك الذين يدخلهم الغرور إذا أصابوا شيئا من العلم .
:- ويقول في التنفير من الغرور بين أصحاب العلم "لايدخلنك الغرور بسبب علمك ولاتتعالل وتنتفخ أوداجك لأنك رجل عالم ، إستشر الجاهل كما تستشر العالم ، لأنه ما من أحد يستطيع الوصول إلى آخر حدود الفن ، ولايوجد الفنان الذي يبلغ الكمال ، ان الحديث الممتع أشد ندرة من الحجر الأخضر اللون ، ومع ذلك تجده لدى الإماء اللاتي يجلسن إلى الرحى "
:- ويتحدث عن الالتزام بالحق ولو على النفس " إذا كنت زعيما يحكم الناس ، فلا تسع غلا وراء كال ما إكتملت محاسنة حتى تظل صفاتك الخلقية دون ثغرة فيها ، ما أعظم الحق فإن قيمته خالده لم ينل منها أحد لكن الذي يتعدى على الحق يحل به العقاب "
ويتحدث هنا عن الإلتزام بالحق الصدق ومرافقة أصحاب الصفات الحسنه والذي نذكره هنا في مثل إختر الرفيق قبل الطريق
:- أما في إحترام من أعلى في المقام أو المرؤوس لرئيسة " إذا كنت شخصا فقيرا تعمل تابعا لأحد الرجال المعروفين الذين يشملهم رضاء الملك ، فلا تحاول معرفة شئ عن ماضيه عندما كان مغرورا ولا تجعل قلبك يتعالى عليه إحترمه بنسبة ماصار اليه ، لان الثروة لاتأتي من تلقاء ذاتها والله الذي يخلق الشهرة"
وهنا يتحدث عن التواضع وعدم تتبع الماضي للأشخاص وحتى لو كان ماضي ذلك الشخص فيه شئ من النقص تعامل مع الذي يظهر منه معك وإلتزم إحترام ذاتك وغيرك .
:- أما عنما تحدث بتاح حتب عن الأشخاص الذين سخروا أنفسهم لخدمة الغير وقال " إذا كنت ممن يقصدهم الناس ليقدموا شكاواهم ، فكن رحيما عندما تستمع إلى الشاكي لا تعامله إلا بالحسنى حتى يفرغ مما في نفسه ، أما الذي ينهر صاحب الشكوى فان الناس يقولون عنه لماذا تجاهلها ؟ ان رقك بالناس عند غصغائك للشكوى يفرح قلوبهم "
وهنا يتحدث عن آداب الإستماع للغير والإنصات لهم وعدم تجاهلهم عند حديثهم والتواصل معهم بالعين والجسد والإهتمام لان ذلك يشعرهم بالفرح ويشجعهم على مواصلة الحديث معك
:- ونتناول أيضا آداب المائده قائلا " اذا كنت مدعوا إلى مائدة من هو اعظم منك ، فخذ ما عسى أن يعطيه لك عنما يوضع أمامك ، لا تنظر إلى من هو أمامك ولا تسدد نظرات كثيرة اليه ، لان اجباره على الالتفات اليك أمر تكرهه النفس "
ويعني ذلك في آداب الزيارة المائده عدم تتبع النظرات وأن تلتزم ما هو امامك من الطعام ولا تتبع ولا تجعله يلاحظ ذلك منك .
:- ولم يغفل بتاح حتب طريقة الكلام وكيفية الجلوس في سياق وصاياه فيكتب " غض من طرفك حتى يحييك ولاتتكلم حتى يخاطبك ، إضحك عندما يضحك فان ذلك يدخل السرور على قلبه وسيقل منك ما تفعله "
وهنا في آداب الحديث والتحاور يقول لاتتكلم إلا إذا طلب منك ذلك ولا تتطفل في حديثك وليتجلس بشكل مهذب ولا تتعدى حدود الأدب مع الغير وإضحك في وقت الضحك ولا تأخذ كل الحوار بالضحك حتى لا يصبح كالإستهزاء بالآخر في أثناء الحديث .
:- ولم يغفل الأمانه عند الرسالة والصدق عند القول " إذا كنت ممن يوثق فيهم ، ويرسلهم أحد العظماء إللى عظيم آخر فكن أمينا جدا ، بلغ الرسالة كما قالها ، لا تخف شيئا مما قاله واحذر النسيان ، تمسك بأهداب الصدق ولا تتخطاه ، حتى لو كان ماتقوله قد خلا مما يرضى "
أما عند إختيارك من قبل شخص ما لإرسال رساله إلى أحدهم فلا تزد عليها ولا تنقص حتى ولو كنت تعلم أن مضمون تلك الرساله قد يغضبه إحترم إخيارا لشخص لك ولا تنسى منها شئ كن أمينا قدر ما إستطعت .
:- وعند الحديث عن أداب الزيارات أو آداب إحترام الصداقه يقول بتاح حتب " إذا أردت أن تطيل صداقتك في بيت تزوره لسيد كان أو أخا أو صديقا إحذر من الاقتراب من النساء في أى مكان تدخله ، فهو مكان غير لائق لمثل هذا العمل ، إنها لحظه قصيرة كالحلم والموت جزاء الإستمتاع بها "
إذا توجهت لزيارة أحدهم فلا تقترب من نساء ذلك البيت واحترم ثقة صاحبه لك ولا تنظر غليهم لان ذلك سيكون عواقبه سيئة .
:- وتحدث أيضا عن الروابط الأسرية وأخلاقيات التعامل بين أفرادها ، ونصح الزوج بالا يكثر من إصدار الأوامر الى زوجته " لاحظها بعنيك والزم الصمت حتى تدرك جمال مزاياها ززز يالها من سعادة عندما تضم يدك إلى يدها ، ان كل رجل يستقر في منزله يجب أن يجعل قلبة ثابتا غير متقلب فلا تجر وراءه امراءة اخرى ولاتجعلها تسرق قلبك "
نصح الزوج هنا بحسن معاملة زوجته ولايكن سببا في إفجاعها أو زعلها وحذره من الخيانه لها وان يستقر قلبه لأمرأه واحدة دون غيرها.
:- ونقرأ نصيحة آخرى من نفس عصر الدولة الحديثة يرسم فيها الحكيم المصري القديم الطريق الصحيح أمام الشاب المصري في طاعة الوالدين " ما أجمل أن ةيصغى الابن حينما يتكلم أبوه ، ان من يسمع يظل محبوبا من الله ولكن الذي لا يسمع مكروه من الآلهه ، أما الغبي الذي لايسمع لواليه نصحا ، فلن يلقى نجاحا ويجلب على نفسه اللوك كل يوم ، لانه يفعل كل ماهو مكوه من الناس وسيموت وهو حى كل يوم ، ويتجنبة الناس لكثرة مساوئه "
أما هنا يوصي بحسن معاملة الولد لوالده وحسن الإصغاء لانه من الإحترام وحسن التربيه ومن يفعل ذلك يكون محبوبا من ناحية والده ومن جميع الناس أما من يفعل عكس ذلك يكون منبوذا من الجميع .
فأذا طوينا بردية بتاح حتب لنتصفح أخرى تعرف بنصائح موجهه الى " جمنيكاوي" وهى من آثار الدولة الوسطى وان كان كاتبها قد نسبها غلى الدولة القديمة وهي من محفوظات متحف اللوفر بباريس ن نقرا من نصائحها الموجهه إلى "مريكا رع " وتحض على عمل الخير " هدئ من روع الباكي ، ولاتظلم الأرملة ، ولا تحرم إنسانا من ثروة أبية ولاتطرد موظفا من عمله وكن على حذر ممن ينتقم مما وقع عليه من ظلم ، ولا تقتل رجلا اذا كنت تعرف جميل مزاياه "
:- وبردية "آتي " من مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة ويرجع تاريخها إلى الاسرتين 21 ، 22 ومن هذه البرديه تعرف الكثير من آداب الذوق والسلوك وما كان يراه المصريون في ذلك العهد في تكوين المجتمع وصلة الناس ببعضهم البعض ، فلنستمع إلى "آتي"
" لا تكثر من الكلام والزم الصمت فتسعد ولاتكن ممن يحبون الخوض في الحديث عن الناس غن شر ما يحدث في بيت الله -المعبد - هو احداث الضجة وصل بقلب يملؤه الحب ، ولا ترفع صوتك بكلماتك وسيجيب الله سؤالك "
:- ويتناول آتي مساوئ الخمر ومضارها " لا تؤذ نفسك بشرب الجعة ، لانك إذا أردت الكلام فان الفاظا أخرى تخرج من فمك ، وإذا سقطت وكسر أحد ا‘ضائك فلن يمد أحد يدا اليك "
وينبذ هنا من تناول الخمر ويحذر منه فإن مساؤها وأضرارها تكون على صحتك وتكون في نبذ الناس لك وكراهيتهم لك ورفضهم لمساعدتك .
:- أما عن فضل الأم فقد حث المصري القديم أهل زمانه على زيادة المحبة للأم ومضاعفة الخبز الذي يعطوه لها ويواصل قائلا " إحملها كما حملتك لقد كنت عبئا ثقيلا عليها ، ولكنها لم تتركه لك لقد ولدتك بعد شهور تسعه ، ولكنها ظلت مغلولة بك وكان ثديها في فمك ثلاث سنوات كاملة وأدخلتك المدرسة لتتعلم الكتابة ،وظلت تذهب غليك كل يوم حاملة اليك الخبز من منزلها "
:- ويتحدث إلى الشاب بعد زواجه " وعند تتخذ لك زوجة وتستقر في منزلك ، فضع نصب عينيك كيف ولدتك امك وكل ما فعلته من أجل تربيتك ، ولا تجعلها ترفع يديها غلى الله لئلا يستمع الى شكواها منك "
وهنا أيضا يتحدث عن تذكير الرجل بفضل أمه حتى بعد زواجه ولا ينسى أنها من ساعدته حتى أصبح رجلا وأصبح له بيته الخاص ،ولا ينسعى ذلك الفضل حتى لا تشكوا الى الله منك .
:- هكذا كان المجتمع المصري القديم من خلال أسره المتعاقبة ، يجتهد معلموه ورواده في وضع الأسس التربوية السليمة لقيام بنيانه ، فجعلوا من لوح الكتابة إبنا حبيبا وكتب االتعلبم مصابيح يهتدي بها ، وقلم الغاب رفيقا مخلصا ، فكانت هذه الحضارة التي شملت كل شئ وضمت تحت جناحيها أروع ما ابدعته البشرية في الطب والفلك والعلوم والهندسة والعمارة والزراعة وآثمرت هذا الفن الأسطوري و فضمنوا لحياتهم البقاء ولحضارتهم الخلود ما أعظم الإنسان المصري القديم وما أروع حضارته التي تجعل من يتصفح بها يزداد إحترامه لهم وبهذه الأسس التربويه إستطاع الفراعنه الخلود بحضارتهم وتريخهم .
من أب فرعوني إلى شباب القرن 21
" إنها أمك كثيرا ما تحملت عبئك فاذا شببت وإتخذت زوجة ضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك "
وإذا تحدثنا عن وضع الأم في العصر الفرعوني فنجد كثيرا من الإجلال والإحترام لها فالأم هي الكلمة الوحيدة التي تنطق ماما أو مام أو أمي في جميع اللهجات بنفس المفردات وإن إختلفت فهى الأمينة على الأسرار والمربية الساهرة على راحة الجميع فلنتعرف عن وضع الأم والأب عن المصريين القدماء في فقرة من متن أدبى واحد من الدولة الحديثة وهو تعاليم (آني ) لولده "خنسو حوتب " يدعو الأب (آني ) ولده إلى أن يضاعف من بره بأمه ويبصره لهذا بما أسفلت له من رعايته في طفولته العاجزه فيقول :
وإذ ولدت بعد أشهرك تكلفت بأن تسلم ثدييها لفمك خلال ثلاثة أعوام متحملة أذى قاذوراتك دون أنفة قلب قائلة ما الذي أفعله !
وقد أثر آنلا إطالة مدة الرضاعة عن عمد في حديثه مع ولده ليعظم له جليل فضل أمه عليه .
ولم تكن الأم العادية في العصور القديمة في مصر أو غيرها ترى طفلها في حتجه غلى مجرد الوقاية من المرض ثم علاجه بل كانت ترى وجوب وقايته أيضا من الحسد وكانت الأم تعتقد في نفع بعض " الرقي " حيث يبعث ذلك في نفسها شيئا من الطمأنينة على طفلها ، وضمن "بلوتارخ " ملاحظاته عن الحياة المصرية ملاحظة طريفة لا يزال صداها في الأمثلة المصرية المعاصرة وهي إعتقادهم بأن الأطفال روحا ربانية وطهارة ملائكية دعتهم إلى إستخلاص الفال والطيرة من العابهم وتصرفاتهم العفوية / ووذلك مما يمكن تقريبه الى المثل الشعبي الحالي الذي يقول " خذوا فالكم من عيالكم " .
:- كانت الأسرة المصرية الفرعونية متينة وقوية ، وتشهد بذلك مجموعة التماثيل التي تؤكد على الأوصار العائلية فإذا ظهر الأب والأم في حفل فغالبا ما يجمعهما مقعد واحد عريضي ثم يجتمع أبناؤهما من بنين وبنات حولهما جالسين على المقاعج المنخفضة أو راكعين على الأرض المفروشة بالحصير وتبدو العلاقات العائلية أكثر تعبيرا من المناظر الطليقة ، فإذا خرج رب العائلة لمتعه الصيد في النهر لأو في المناقع لايستأثر بها وحده ، وإنما يكون معه إبنه يحمل له صيده أو يشاركه فيه وتكون زوجه من خلفه تسنده وتركع إبنته بين ساقيه تقطف من أزهار المنافع أو تمسك بسيقان البردي واللوتس لتحتفظ توازن القارب الذي يقلها وعائلتها ،وفضلا عن هذه الأوضاع والمناظر العامه التي تشهدد بترابط الأسره المصرية القديمة وآدابها وإشتراكها في مسراتها ، لم يسهو على الفانين القدماء أن يصوروا الحياة الخاصه بين الأم وطفلها حيث صور حياة العطف والتواد التي تكون بين الأب وأولاده والتي تدل على أن الأب المصري لم يكن بالجل الفظ الذي يتباعد عن أطفاله ، على الرغم مما كان يلزمهم به أمام المجتمع من آداب وسلوك ز
:- ومع شدة حرص المصريين على إنجاب الأولاد كان من قول عنخ شاشنقي لولده " لاتهجر إمرأه في دارك لأنها عقيم " وما من شك في ميل المصريين للحياة العائلية المستقرة هو الذي حد إلى حد كبير من الجمع بين الزوجتين بالرغم من إباحته في شرعيتهم ، على أنه في حياة المصريين القدماء ماهو أبعد من ذلك دلالة على إيثارهم للإستقرار العائلي ، وزهو أنه حتى في حالات تعدد الزوجات ومع صعوبة الإستقرار في بيت يجمع الضرائر ، فقد تسمى إحداهن بناتها بأسماء ضرتها ، وقد تكون الزوجة الأولى هى الموحية لزوجها بإتخاذ ثانية إبتغاء الذرية ثم لا تلبث أن تعترف بأبنائها أبناء لها فتورهم وتزوج بنتا منهم لأخيها ، ومهما يكن من عوامل هذا الرفاق الغريب فقد كان لصالح الأبناء دون شك .
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليقا