نظرية وراثة العرش
:- كثيرا مانجد في التاريخ الفرعوني أن من يعتلى العرش لا ينتمي إلى الأب الفرعوني السابق له وأيضا وجود أسرة تخللت وسط الأسرات الفرعونية لا تنتمي إلى ما سبق لها من الأسرات حيث يرجع بعض العلماء فكرة وجود أسرات جديدة ، وتقسيم الحكم في التاريخ المصري القديم ، إلى تطور أو إنقلاب في نظام الحكم ، أو إلى وجود أميرة في آخر الأسرة تتزوج من رجل من غير أبناء العائلة المالكة ، ومن نسلها تتكون أسرة جديدة ، ويكون هذا الزواج حلقة الإتصال بين الأسرتين ، وذلك لأن العرش في مصر الفرعونية إنما كان ينحصر في الإبن الملكي الأكبر ، من الدم الملكي الخالص ، والذي يكون ثمرة زواج الأخ الملكي من الأخت الملكية ، من الأبويين الملكيين .
:- وهكذا كانت القاعدة الثابتة أن يعتلي عرش مصر ، من نسري في عروق أمة وأبية الدماء الملكية النقية ، أما إذا كان إبنا بزوجة مصرية غير ملكية ، فكان علية أن يلجأ إلى الزواج من أميرة من الفرع الملكي الخالص ، ليقوي بذلك شرعية مركزه ، ويصبح أهلا لتولي عرش الفراعين ، ومع ذلك فإن زوج الأميرة الملكية إنما يعتبر مجرد أمير وأما أبناء ثمرة هذا الزواج فقد كانوا يعتبرون ورثة شرعيين للعرش ، وفي بعض الحالات قد يصبح زوج الملكة بالوراثة ملكا ، حينما تكون هذه الملكة كبرى أبناء الفرعون سنا ، كما تكون أرملة الملك المتوفي أو كبرى بناته ، أو أبعد من ذلك قرابة .
:- ولعل ذلك كله ، إنما يعني أن العرش المصري إنما كان ينتقل عن طريق المرأة ، ومن هنا كانت الزوجة الملكية الكبرى للملك هي الوريثة التي يستطيع هذا الملك الوصول إلى العرش عن طريق الزواج بها ، ولم يكن مولد الملك أميرا أمرا هاما ولكن الأهم أن يتزوج من ماكة حتى يصبح ملكا ، ومن هنا يمكن القول أن الملكة ملكة بحق المولد والملك ملكا بحق الزواج وبالتالى يمكن تفسير هذه الزيجات الملكية ، عن طريق عادة التسلل الأمومي وإنتقال التاج عن طريق خط الأنثى ولعل هذا هو الذي جعل نظرية تولي العرش في مصر الفرعونية يشترط بها أن تكون أم الملك من نسل ملكي ، فهي إما أن تكون إبنة أو زوجة أو أم للملك المتولي للعرش ، وقد تكون الثلاثة في وقت واحد أي إبنة ملك وأخت ملك وزوج ملك .
:- يذكر الدكتور سليم حسن (1891 - 1961) إلى أن قانون الوراثة بين أفراد الشعب إنما كان يجري على نظام الأمومة والأمر كذلك عندما ينقطع نسل الذكور في الأسرة المالكة ، ومن ثم فإن الملك الذي يتولى العرش من غير الأسرة المالكة ، كان عليه أن يتزوج من إحدى الأميرات الملكيات ، حتى يأتي خلفه ، والدماء الملكية تجري في عروقه ، ذلك لأن الملكات إنما كن يمثلن الدم الملكي ، ويحافظن على التقاليد الملكية بإرتباطهن بالأسرة الجديدة ، سواء كان أول ملوكها زوجا للملكة أو أحد أبنائها .
هذا وقد إعتبر المصريون الزوجة الملكية الرئيسية هي زوجة الملك الفرعون وإن كانت من نسل ملكي سابق لكن قد جئ بها من صلب جسدي مقدس ( حيث كان الفراعنة يعتبرون الفرعون هو الإله ) ومن هنل نشأت نظرية تولي العرش ورغم أن للملوك الحق في الزواج بأكثر من واحدة ، إلا أن الزوجة الملكية الرئيسية إنما تعتبر أنقى الزوجات دما ، ولعل هذا السبب في زواج الأخ بأخته التي لجأ إليها الفراعين ، بغرض تأكيد صفاء الدم الملكي الإلهي ، فضلا عن عدد المتطلعين إلى العرش .
:- على أن هناك بعضا من الملوك إنما قد لجأوا ، في تبرير شرعيتهم للعرش ، إلى حق الإختيار الإلهي ، كما فعل تحوتمس الثالث وذلك حين روى قصة دبرها أبوه مع الكهنة ليقيه من ضرر طموح حتشبسوت ومن ثم فقد ذكرت نقوشه أنه حدث خلال الإحنفال بعيد ديني كبير أن أنتحى تحوتمس الصغير جانبا من البهو الشمالي في معبد الكرنك ليشهد منه موكب ربه آمون ، وكان حين ذاك قد انتظم في التربية الدينية بالمعبد ، ولكنه لم يكن قد بلغ بعد منصب خادم آمون وعندما مر الموكب ، والفرعون (تحوتمس الثاني ) تعمد تمثال الإله أن يحوم بموكبه حول البهو الشمالي ، وقد تبعه الكهنة ورجال الدولة دون أم يعلموا حقيقة هدفة ، حتى بلغ موضع تحوتمس الصغير وتوقف عنده فخر الأمير ساجدا ، وإعتبرها الكهنة حينذاك ىية وفسروها برغبة الإله في إختيار الأمير الطفل لعرش آبائه ، وبوحي الإله أنهضوا الأمير وقدموه في الموضع المخصص للحاكم وبعدها إنكشفت له آفاق ربه وطار إلأى سمائه ، وتلقى منه ألقابه .
:- على أن آخرين إنما قد عمدوا إلى قصص الولادة الإلهية ، كما فعلت حتشبسوت وأمنحتب الثالث ، حيث صور المعبود أمون ، وهو يتخذ شخصية الزوج الملكي ، ثم يتصل بالزوجة الملكية إتصال الرجل بزوجته فتحمل الملكة وتنجب الفرعون وقد حدث هذا في نصي الولادة المشهورين الواحد في "معبد الدير البحري " ويتحدث عن ولادة الملكة حتشبسوت من الإله أمون ، والملكة " أحمس " زوج الملك " تحوتمس الأول " من الإله أمون ، والملكة " موت أم ويا " زوج الملك "تحوتمس الرابع " وفي كلا النصين نرى الإله أمون يتخذ شخصية " الزوج الأب " ثم يتصل بالملكة الأم " أحمس " أو " موت أن ويا " إتصال الرجل بزوجته ، فتحمل الملكة ، وتنجب الفرعون . وقد تحدثناعن قصة تخلق حتشبسوت قصة دينية لتوليتها كفرعون ومحاولة إقناع الشعب بتوليتها عليهم في موضوع شخصيات نسائية هامة .
:- وتأتي عظمة حتشبسوت بأنها لم تكتفي بذلك بل زعمت لنفسها مولدا إلهيا ، من الإله آمون نفسه ، وسجلت على معبد الدير البحري ، حيث صور فنانوها مجلسا ينعقد من أرباب الوادي برياسة آمون للتشاور فيمن يخلقوه ليجلس على عرش الكنانه ، وإذا برب الحكمة تحوت يتقدم إلى أمون ليذكره بأحمس الجميلة ، وهي زوج تحتمس الأول ، وإذا بأمون يعلن للأرباب أنه سيهب للملكة الجميلة مولودا من صلبه يعتلى العرش ، وأنه قضى أن يكون المولود أنثى ، وتحققت المعجزة بأن مضى آمون إلى قصر الملكة في غيبة زوجها ، بعد أن تقمص بصورته وتزيى بزيه ، ثم دلف إلى مخدع الملكة فوجدها نائمة ،ولكن شذى عطره قد نفذ إلى أنفها فأيقظها ، ولم تكن تكد ترنو إليه بناظريها حتى تمثل لها بشرا سويا رأت فيه زوجها فقالت هيئت لك ، فجلس منها مجلس الرجل من المرأه ، ونبأها عمن يكون ، ففرحت بذلك وتهللت وإستبشرت بما أودع في رحمها ، وقبل أن يهم آمون بمغادرة مخدعها أنبأها بأنها ستضع أنثى ، وسوف يكون إسمها "حتشبسوت خمنت آمون " بمعنى " ذروة النبيلات ، صفية آمون " ثم أوحى آمون إلى خنوم ، وهو الإله المتكفل بخلق البشر أن يصور بدن الجنين من صلصال ففعل ، ولما أجاء المخاض الملكة إجتمع الأرباب في ساحة القصر ، وهرع إليها منهم من يستطيع مساعدتها في ساعة العسر ، ولما خرجت حتشبسوت إلى الدنيا تلقتها الإلهه حتحور ، وقدمتها إلى آمون الذي قدمها بدورة إلى بقية الأرباب بإعتبارها وريثة عرش الفراعين .
:- ثم سرعان ما تلقى أبوها (تحوتمس الأول ) البشري الخبر راضيا شاكرا وأعلنها على الناس كافة ولما أصبحت الطفلة شابة كانت جميلة جمالا رائعا ، وكان النظر إليها أمتع من النظر إلى أى شئ في الدنيا ، وكانت صورة اله ، تتصرف كما يتصرف الآلهه ولها روعتهم وبهائهم ، وكانت تضارع الربة "حور " في زمانها ، ثم طاف بها أبوها على المعابد الكبرى وأعلنها خليفتة له على عرش الكنانة ، وبذلك تتجلى عظمة حنشبسوت بأنها حاولت بكل الوسائل أن تزيل من أذهان القوم كراهيتهم لحكم الإناث ، ولسنا ندرى مدى تصديق المصريين لهذه الإدعاءات ، ولكن حسبما ما تدل عليه من إعتقاد الفراعين بأن الأمر الواقع في إرتقاء العرش ، والهيمنة على السلطة لايكفي ، وأنه لابد من تأييده بسند من الدين ، يرضى الكهان والخاصة والعامه .
شخصيات تاريخية نسائية أثرت على مجرى الأحداث (historywithaliaa.blogspot.com)
:- ولعل أهم القصص التي تخفي بين طياتها تولية العرش للفرعون بأمر إلالهي إنما يعني أن الإله أمون قد تخقي في زي وجسد الملك الحاكم ، ودخل بهذه الصورة على الملكة وضاجع الزوجة الملكية العظمى ،ووضع فيها البذرة الإلهيه ، التي أصبحت فيما بعد الملك المستقبل ، أي أن المولد الإلهي الذي تختفي مؤقتا في هيئة فرعون ، وعلى ذلك فإن " أم الملك الإله " يجب أن تحتل مكانة لا نظير لها بين النساء ، وهكذا كان الفرعون وأمه ، إنما يمثلان مع الإله بالنقاش مع عائلته المقدسة ، أمون وموت وخونسو - عائلة بشرية ، يمثل فيها الإله أمون دور الأب وتمثل الملكة دور الأم ويمثل الفرعون دور الأبن .
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليقا