القائمة الرئيسية

الصفحات

أحداث الحرب العالمية الأولى

 أحداث الحرب العالمية الأولى 



         :- بعد موقعة سراييفو قررت النمسا منح الصرب مهله 48 ساعه للقضاء على أعضاء الجامعة الصقلبية وضررورة تعاون المندوبين الصربيين مع النمساويين لتنفيذ ذلك ولكن وزير خارجية بريطانيا جراي إحتج على الإنذار ، ورأى توسط فرنسا لإحتواء الأزمة عن طريق توسط كل من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا ولكن النمسا متسرعة في ضرورة تنفيذ مطالبها من جانب الصرب نظرا لثورة الرأي العام فيها ، وأعلنت الحرب رغم ما أعلنته ألمانيا لحليفتها النمسا من ضرورة التمهل في قرار الحرب نظرا لسخط روسيا وإنجلترا على موقف النمسا في الوقت الذي أعلنت فيه روسيا تحريك جيوشا أمام تعنت النمسا في عدم التمهل ، ولم تنجح إنجلترا في إقناع روسيا بلإنتظار والإعتدال الذي كان بعيدا عن رؤى الروس ، مما دفع بألمانيا إلى إرسال إنذار حربي إلى موسكو خاصتا وإن تحريك جيوش الروس كان يمثل خطرا حقيقيا على دول الوسط النمسا والمانيا وعندما علمت إنجلترا بما آل إليه الموقف أرسلت إلى المانيا وفرنسا تطلب ضمانا بإحترام حياد بلجيكا فأعطت فرنسا ذلك الضمان ورفضت ألمانيا . 

       :- وفي يوم 28 يوليو 1914م أصبحت النمسا والصرب في حالة حرب بعد مرور شهر من حادث سراييفو ، ثم نشب القتال في أول أغسطس بين ألمانيا وروسيا بعدما هاجمت القوات الروسية الحدود الألمانية ، وطلبت ألمانيا من فرنسا تحديد موقفها حينما حركت جيوشها هي الأخرى وأعلنت أن موقفها نابع من الحفاظ على مصالحها ، وهو السبب الواضح لدخول كل هذه الدول المتناحرة حيث أن كلا منهما دخل الحرب من أجل مصلحته الخاصه ، وقامت إنجلترا بتأييد فرنسا بحريا إذا ماحاول الأسطول الماني دخول القنال الإنجليزي ومهاجمة فرنسا أو الإعتداء على سفنها . 

      :- وعقب ذلك علمت إنجلترا أن ألمانيا أرسلت إعلانا لها بالحرب وأنها إخترقت حدود بلجيكا فاضطرت إنجلترا إلى إرسال إنذار إلى ألمانيا وفي ذلك الوقت إجتمع الرشستاج الألماني وخطب القيصر في الصالة البيضاء يعلن إضطراره لمقاتلة الجيوش الفرنسية الجار الذي طالما كانت ألمانيا تعتز بصداقته ، وألقى اللوم على معونة روسيا للصرب وأبى دهشته من إنحياز فرنسا لصف خصوم ألمانيا التي أصبحت دولة قوية يحقد عليها الآخرون ، وقد طلبت ألمانيا أن تكون المشكلة الصربية النمساوية محلية ، ولكن تدخل روسيا وتحريك قواتها ضد النمسا وضد ألمانيا التي لم تحرك جنديا واحدا أسفر عن هذا الموقف الذي عرض ألمانيا للخطر وأختتم الإمبراطور خطابه قائلا :

      "  نحن في حالة إضطرار ، والإضطرار لايعرف قانونا "

     :- ونتيجه لهذا الموقف أيدت الأحزاب الألمانية الإمبراطور في موقفه للحفاظ على سمعة ألمانيا وأمنها ، وبعد إعلان إنجلترا الحرب بيومين أعلنت النمسا الحرب هي الأخرى على روسيا ، وردت إنلترا وفرنسا بإعلان الحرب على النمسا ، وأعلنت إيطاليا ورومانيا حيدتهما ، ووجدت ألمانيا لزاما عليها مساعدة النمسا لأنها الدولة الوحيدة الكبرى التي تستطيع الإعتماد عليها ، فما كان يمكن الإعتماد على إيطاليا أو رومانيا ، في نفس الوقت الذي كانت فيه ألمانيا لا تتوقع أن تعلن إنجلترا الحرب عليها لا سيما وقد تحسنت العلاقات بين الدولتين بعد أزمة مراكش ، لأن ألمانيا والنمسا كانتا لا ترغبان في نشوب حرب دولية وجعل الحرب محلية ، ولكن رفض روسيا هذا الأمر فإنه لا مفر من تدويل الحرب . 

    :- وقد أدى نجاح اليابان في حربها مع روسيا إلى التارجع الروسي عن الأطماع في أوروبا وعن سيطرتها على البلقان ، فهي تسمح بإنهيار الصرب أو بلجيكا ،إذ أيقنت في مساندة إنجلترا لها إذا إتسع نطاق الحرب كما أن إنجلترا أثارتها مسألة بلجيكا بعد أن تركت مسألة العزلة ففي حالة حيادها وإنتصار دول الوسط فسوف تجد نفسها وحيدة أمام أوروبا وبالتالي يقع عليها عبء التسليح البري والبحري للصمود أمام القوى الأوروبية .

 

المرحلة الأولى للحرب 1914-1916

    :- بهجوم النمسا على الصرب وعدم إحترام حياد بلجيكا وتحريك روسيا لقواتها وإعلان ألمانيا  دخولها الحرب إلأى جانب النمسا ، وتطور الأحداث إنقسم العالم الأوروبي إلى معسكرين متناحرين فقامت القوات الألمانية بالهجوم على بلجيكا وإختراق أراضيها في نفس الوقت الذي تركت فيه فرنسا حدودها الشمالية الشرقية دون أن تدافع عنها رغم علمها بنوايا الألمان الهجهومية ، وفي أغسطس 1914م غستولى اللمان على لبيج بعد إرتداد البلجيك إلى أنتورب وتركوا بروكسل تسقط في أيدي الألمان ، في نفس الوقت عبرت القوات الإنجليزية بقيادة السير جون فرنشي القنال الإنجليزي وأخذت مراكزها إلى يسار القوات الفرنسية . 
على أن الفرنسيون تقهقروا بعد هزيمتهم في شارلوا ولاشاتو نحو الداخل مما أثر على موقف القوات الإنجليزية ونقل قاعدة قواتها نحو مصب نهر اللوار ،وتمكنت الجيوش المانية من التوجه صوب باريس التي سرعان ما انتقلت حكومتها إلى يوردو ، والتحم الفرنسيون مع المان في نعركة المارن التي انقذت باريس من السقوط في أيدي الألمان أما الروس فقد تمكنوا من الهجوم على بروسيا الشرقية في أغسطس ولكن الألمان تمكنوا من القضاء على الجيش الروسي .
 
      :- وأما النمسا فقد كانت مقاومتها غير مجدية إذ تكنت القوات الروسية من غزو غاليسيا وعبور الكربات مما دعا الألمان لمساعدة القوات النمساوية ، وفي الجبهة الشرقية انضمت اليابان إلى فرنسا وإنجلترا وروسيا فأرسلت إنذار إلى ألمانيا في 15 أغسطس واعلنت الحرب ضدها في الشرق الأقصى ، وساعدت روسيا بالذخائر والمؤن وتولت حماية السفن الخاصة بالحلفاء في منطقة الشرق الأقصى ، أما تركيا فقد ساءت علاقتها بإنجلترا لعدم تسليمها لسفينتين حربيتين كانت تركيا قد طلبت منها بناؤها ، وعرضت دول الوفاق على تركيا التعويض أو تسليم السفينتين بعد الحرب مع بقائها على الحياد على أن يتولى دول الوفاق الدفاع عنها إذا ما هوجمت ، وفي نفس الوقت طالبت تركيا إلغاء الإمتيازات فأعلن جراي أن إنجلترا توافق على ذلك في حالة موافقة روسيا وفرنسا ، وهنا قررت تركيا من خلال أنور باشا صدرها الأعظم الإنضمام إلى دول الوسط إذا ما أصبحت عالمية خوفا من عدم تمسك إنجلترا بوجودها في بوعودها في الحفاظ على أملاك الأتراك ومساندة ضد تركيا ، وقد وعدت النمسا وألمانيا تركيا بمساعدتها حربيا وضمان سلامة أراضيها ضد أطماع روسيا ، ووعدها بتعديل حدودها مع الروس وأن يكون لها نصيب من الغنائم الحربية ،وإزاء هذا الموقف التكي فقد هددت إنجلترا بأن دخول تركيا الحرب سيكون نهايتها كدولة كبرى في الوقت الذي إنهالت فيه السلحة والجنود الألمان على تركيا ودخلت بعض السفن الألمانية إلى البحر الأسود وهاجمت سفنا روسية وضرب أوروبا بالقنابل أوروبا بالقنابل ،  فأعلنت روسيا الحرب على تركيا في 31 أكتوبر وضربت بالقنابل مداخل الدردنيل ، وأسرعت إنجلترا بتعديل حاميتها في مصر عندما بدأت الجنود التركية تزحف تجاهها .

   :- وترتب على هذه الإجراءات إتساع ميدان الحرب فأعلنت إنجلترا ضم قبرص وإعلان الحماية على مصر وخلع الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان تركي النزعه وبدأت الغارات الألمانية على قناة السويس ، وكان دخول تركيا الحرب ومهاجمتها للأراضي الروسية في صالح الروس لتحقيق مطامعهم في الأراضي التركية وخاصة في مناطق المضايق التي أعلنت إنجلترا أنها ستكون من نصيب روسيا بعد إنتهاء الحرب .

    :- وبإنضمام إيطاليا لدول الوفاق أصبح هناك توازن بعد إنضمام تركيا لدول الوسط ، وذلك بعدما رفضت النمسا ضم مناطق الترنتينو لإيطاليا في حالة إنضمامها لدول الوسط ، ونتيجة للمفاوضات التي جرت في لندن بين إيطاليا وددول الوفاق رغم معاضة فرنسا رغم معارضة فرنسا وروسيا لمطالب إيطاليا في شرق الإدرياتي فإن إيطاليا وقعت معاهده مع إنجلترا وفرنسا وروسيا في 28 أبريل 1915م تنص على إستيلاء إيطاليا على الترنتينو وتريستا وأيستريا وشمال دلماشيا والجزر المواجهه لها ، وفي حالة تقسيم أراضي تركيا بعد الحرب تحصل كذلك على ألبانيا وجزر الدوديكانيز زمع الإعتراف بمصالح ومركز إيطاليا في البحر المتوسط ،وضم ليبيا نهائيا لها وتقدم لها إنجلترا قرضا ماليا قدره خمسون مليون جنيه مع حصولها على قسط من الفرق الحربية ، وكانت هذه المعاهده سرية ونصت على إشتراك إيطاليا في الحرب في غضون شهر من التوقيع دون أن يعلم بمحتواها الصرب ، ولو أن إنضمام إيطاليا قوى من مركز الحلفاء العسكري إلا أنه أضعف مركزهم المعنوي لأن المعاهده عندما علم الصرب بمحتواها أثارت غضبهم ضد إيطاليا وقد حاولت النمسا مرة أخرى التفاوض مع إيطاليا والتسليم ببعض مطالبها في الترنتيو وتريستا ، لكن إيطاليا أعلنت الحرب على النمسا فس 23 مايو 1916م ، ثم أعلنت الحرب على ألمانيا بعد ذلك في 27 أغسطس من نفس العام . 

   :- وتوالت الهزائم على روسيا في الجبهة الشرقية لأوروبا خلال عام 1915 م مما شجع بلغاريا على دخول الحرب في صف دول الوسط ، وكان كل من المتحاربين يحاول أن يستقطب دول البلقان لصفة أما بالترغيب تاره أو بالترهيب تارة أخرى ، واعلنت اليونان أنها لن تنضم لدول الوفاق إلا إذا هوجمت من تركيا وبشرط حماية دول الوفاق لليونان من إعتداء بلغاؤيا وطمأنتها غنجلترا بأن الأسطول التركي لن يستطيع الخروج من مياه الدردنيل ووعدوا اليونان بالحصول على جنوب ألبانيا م وعدتها بأزمير إذا ما شاركت في الحرب مما شجعها على الإشتراك في نفس الوقت فشلت مساعي الوفاق في ضم بلغاريا لفهم ، وإنحازت لدول الوسط بعد إنهزام روسيا ودخول اللمان والنمساويين المناطق الصربية مما يسر إستمرار تدفق الأسلحة والذخائر عبر السكك الحديدية بين أوروبا الوسطى وتركيا . 
      :- وبنهاية أحداث الحرب في عام 1915م كان الإنتصار في صالح دول الوسط فقد فشل الوفاق في الغرب ،وإنهزمت روسيا في الشرق ولم تفلح إيطاليا في هجماتها وإنضمت بلغاريا لدول الوسط ، وسقطت الصرب ، وفشلت حملة الدردنيل التي قامت بها إنجلترا على تركيا ، لكن إنجلترا كانت لاتزال تسيطر على البحر بواسطة أسطولها القوي الذي إستطاع نقل الجنود إلى فرنسا ، وبدأت حرب الغواصات ، وهزم الأسطول الألماني الأسطول البريطاني أمام ساحل شيلي في أول نوفمبر 1914م ثم عبر الألمان مضيق ماجلان لكن نجاحهم البحري كان محدودا في منطقة المحيط منذ أواخر عام 1914م .  

المرحلة الثانية للحرب 1916- 1918 م

     :- بدأت كفة الحلفاء ترجح في عام 1916مبعد إنكسار حدة الهجوم الألماني نتيجة موقعتين فاصلتين في تاريخ الحرب ؛ففي معركة فردان إستطاع الفرنسيون بعد تضحيات جسيمة وقف الزحف الألماني ،وأن يستعيدوا الأراضي التي فقدوها في الهجوم الألماني الأول وبذلك إستطاع الفرنسيون أن يوفقوا الزحف لأول مرة منذ بداية الحرب ، أما المعركة الثانية فهي معركة السوم التي فقد فيها الألمان قرابة نصف مليون جندي بينما بلغت خسائر الإنجليز أقل من نصف مليون جندي ، والفرنسيون نحو مائة وتسعين ألفا ، وكانت خسارة الألمان غير قابلة للتعويض بسهولة لأنهم فقدوا خيرة قواتهم المحاربة في هذه المعركة مما إضطرم إلى الإعتماد على المجندين الجدد الذين لم تكن لديهم نفس الخبرة العسكرية أو المقدرة الحربية التي كانت لزملائهم من قبل ؛ مما رجح كفة الحلفاء لاسيما وأن بريطانيا أصبحت أكثر إستعدادا لإمدادهم فرنسا بعدد أكبر من القوات الإنجليزية المحاربة .

    :- ومن الجدير بالذكر أن البريطانيين استطاعوا أن يستخدموا الدعاية المضادة في الحرب لأول مرة وخاصة في معركة السوم .أما الجبهه الشرقية فنجد أن اعلام النصر الروسية بدأت ترفف على ميادينها بعد دحر الروس لقوات النمسا والمجرفي معارك دامت شهرين أسر فيها نحو أقل من نصف مليون جندي نمساوي ، وبذلك إستطاع الروس أن يعوضوا خسائرهم التي منيوا بها منقبل مما شجع رومانيا على إعلان الحرب على النمسا في 27 أغسطس 1916م ودفع بالتالي اللمان لإكتساح الأراضي الرومانية تحت قيادة فلكنهاين وماكنزن والإستيلاء على العاصمة برخارست في 6ديسمبر 1916م وبذلك غستطاع الألمان أن يستحوذوا على دولة غنية بثرواتها الطبيعية ولاسيما البترول عصب الحرب .

   :- ومن هنا يمكن القول أن سنة 1916 كانت حدا فاصلا في تاريخ الحرب العالمية الأولى ما بين الفترة السابقة التي شهدت تفوق دول الوسط ، والفترة اللاحقة التي ستشهد تفوقا لدول الوفاق يؤدي بها إلى النصر في النهاية .

الحصار البحري 

     :- فرض الإنجليز حصارا بحريا شديدا على الألمان مما أدى إلى قلة المواد الغذائية الواردة إلى الشعب الألماني ، وإلى معاناته نتيجة برنامج التقشف الذي فرضته ظروف الحرب ، رغم ترحيب الشعب الألماني بتغيير القيادة العسكرية العليا للجيش بعد النكسة التي أصيب بها في معركتي فردان والسوم وتعين عندنبرج قائدا عاما للجيش في 18 أغسطس 1916 م وتعيين لودندروف رئيسا لهيئة أركان الحرب وكلاهما يتمتع بثقة الشعب الألماني ، ونظرا لتفوق الإنجليز البحري فقد تمكنوا من القيام بعملياتهم البحرية في البحر المتوسط دون خشية قوة البحرية الألمانية ،فتمكنوا من إنزال قواتهم في الدردنيل وسالونيك أصبحت مهددة بالسقوط في أيدي الحلفاء دون ان تتمكن ألمانيا من فعل شئ لإنقاذها ، كما تهاوى الحصار البحري الألماني على الجزر البريطانية بعد أن كانت القوات الألمانية تحاصرها وتقوم بمهاجمة السفن المتجهة لبريطانيا دون غعتبار لجنسياتها ومنها السفن الأمريكية .

     :- على أن سياية بريطانيا في تفتيش السفن التجارية المتجهه نحو أوروبا أثار ضدها غضب الدول الأوروبية المحايدة وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى لا تزال على الحياد حتى ذلك الحين ولكن دخولها الحرب بجانب الوفاق قضى على معارضة الدول لموضوع التفتيش البحري ، ورغم التفوق البحري الإنجليزي إلا أن الأسطول قد أصيب بخسائ كبية من جراء الألغام والغواصات والطوربيدات الألمانية ، وكان آخر المعارك التي لم ترجح فيها كفة جهة على الأخرى معركة جتلند في 21 مايو 1916 م بين الأسطوليين البريطاني والألماني والتي لم تحرز فيها بريطانيا نصرا حاسما على ألمانيا ، وذلك لذكاء القائد العام للأسطول الألماني تريتز وإستغلاله لأساليب الحرب البحرية قصيرة المدى ، وسوء الأحوال في بحر الشمال إلى جانب حداثة طراز قطع الأسطول الألماني ومدافعها بعيدة المدى ودروعها السميكة التي صمدت لللقذائف البريطانية مما تأثرت به قطع الأسطول البريطاني رغم خبرة بحارته ودرايتهم بالحرب البحرية واسعة المدى .

    :- وحتى ذلك الحين ،وبعد مضي نحو عامين على بداية الحرب لم يحرز أي من الطرفين نصرا حاسما على الأخر لأسباب عديدة منها :
1- اختلاف رغبات الشعوب المتحاربة وحكومامتها ، فبينما رغبت الشعوب إلى إنهاء الحرب من خلال إيجاد حلول وسط يرتضيها الطرفان نظرا للخسائر الفادحة التي ألمت بتلك الشعوب ، على عكس الحكومات التي رأت الإستمرار في الحرب حتى نهايتها الفاصلة ، فقد تكبدت الشعوب ولاسيما عام 1916م خسائر فادحة بين أطراف الصراع دون استثناء مع سوء الأحوال الإقتصادية نتيجة الغلاء وقلة الأجور وإنخفاض مستوى المعيشة ولذلك قامت ثورة الرأي العام ضد وزارة بريان في فرنسا لأنها لم تقم بعمل إيجابي لإنهاء الحرب أو إدارتها بدرجة كبيرة من الكفاءة تحرز بها النصر ، وفي إنجلترا سقطت وزارة اسكويت في ديسمبر من نفس العام وحلت محلها وزراة لويد جورج ، وفي المعسكر الألماني واجه المستشار الألماني بتمان هولفج صعوبات داخلية كثيرة من جانب المعارضة لإتخاذ سياسة أكثر حزما إزاء إنجلترا أما في النمسا فقد أدت الإضطرابات إلى قتل رئيس الوزراء في 21 أكتوبر 1916م .

2- نمو الحركة الإشتراكية في أوروبا حينئذ في مختلف الدول الأوروبية والتقاء آراء افشتراكيين الدوليين في أحياء مذهب الدولية الإشتراكية من خلال الإشتراكيين الإيطاليين والروس البلاشفة تحت زعامة لينين والذي تمخض عن عقد أول مؤتمر إشتراكي دولي في سبتمبر 1915م قرب مدينة برن بسويسرا ، وضم أعضاء من جميع الدول المحايدة والمشتركة في الحرب على السواء ، وقد أوصى المؤتمر في قراراته مناشدة الشعوب الكادحة في أوروبا بأن يطالبوا حكوماتهم إيرام الصلح ، وكان هذا النداء يعبر عن رأي كثير من الشعوب في إنهاء الحرب وإقرار السلام .

   ورغم صعوبات الحرب وأهوالها فإن الحكومات كانت لا تزال تدفع بالحرب حتى نهايتها بهدف تحقيق النصر ، وقد بدأ ذلك واضحا من رد الجانبين المتحاربين على المذكرة التي واجهها الرئيس ويلسو في 20 ديسمبر 1916م ، إذا أوضحت كل من إنجلترا وفرنسا وروسيا بأنها لاتقبل حلا وسطا وأن هدفها تحرير الألزاس واللورين ، وتحرير السلاف والرومان والتشيكوسلوفاك من السيادة الأجنبية ، بل أن هذه الدول قد إرتبطت فيما بينها بإتفاقات سرية توضح أهدافها من الحرب ففي مارس 1915م إتفقت بريطانيا وفرنسا وروسيا إتفاقا سريا يمنح روسيا القسطنطسنسة ومضسق البسفور والدردنيل بعد الإنتصار في الحرب ، وكذلك عقد إتفاق سري آخر في مارس 1916م بين الدول الثلاثة وهي إتفاقية سايكس -بيكو لتقسيم ممتلكات الدولة اعثمانية في العالم العربي الشرقي فيما بينهم /حرص كلا منهما على إستقطاع النصيب الأكبر من أراضي الدولة العثمانية وإعتبروها كالوليمة .

  وفي فبراير 1917م عقد إتفاقا سريا بين فرنسا وروسيا وعدت فيه روسيا مساعدة فرنسا على إسترجاع الألزاس واللورين والإستيلاء على أراضي السار الألمانية ، كما أن ألمانيا في مذكرتها للولايات المتحدة في يناير 1917م أوضحت قبولها إستقلال بلجيكا بشروط وضمانات خاصة منها تجريد بلجيكا من قواتها الحربية ، ومنح ألمانيا حق الإشراف على خطوط السكك الحديدة بها ، وتسليم حصون لبيج ونامور لا حتلالها بقوات ألمانية ، وأوضحت المذكرة أيضا رغبة ألمانيا إلى توسيع رقعة أراضيها من جهة الشرق ، ومن هنا يتضح أن الدول المتحاربة كانت عازمة على المضي في الحرب حتى نهايتها وكل منها يتوق إلى النصر رغم ما تجشمه من خسائر . 
 

إشتراك الولايات المتحدة في الحرب

      :- شهد عام 1917 تحولا جوهريا في سير الحرب ، وجرى فيه حادثتين هامتين غيرا التوازن القائم بين الدول المتصارعه وهما دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جابن دول الوفاق ، وقيا الثورة البلشفية في روسيا ، فدخلت الأولى الحرب وخرجت الثانية ، فقد ظلت الولايات المتحدة تعتنق مبدأ الحياد المشوب بالعطف على قضية الحلفاء حتى يوم 2 أبريل 1917م عندما وافق الكونجرس على رسالة الرئيس ويلسون بدخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب دول الوفاق ضد ألمانيا دون شروط معينة لهذا التدخل أو مفاوضات مسبقة ، وإنما كان الهدف من هذا التدخل هو محاولة الولايات المتحدة إنقاذ العالم الديمقراطي من الهزيمة على يد الدول الإستبدادية ولذلك أطلقت على الدول الديمقراطية إسم الأصدقاء أو الشركاء ، وقد أعطى هذا التدخل لها قوة لأنها لم تتورط في شروط الحلفاء السرية فيما بينهم ولم تكن طرفا فيها ، وتدخلت في وقت كانت دول الوفاق في أشد الحاجه لهذا التدخل لإنقاذهم من شدة ضربات دول الوسط ، وقد منحها هذا التدخل في ذلك الوقت حرية كبيرة للعمل دون قيود أوربية عليها ؛فمن حقها الخروج من الحرب حينما تشاء كما دخلت بعد أن تطمئن إلى القضاء على الروح العسكرية الألمانية دون القضاء على ألمانيا كدولة كما كان يبغى الوفاق ، وكان هذا الفهم الصحيح لموقف الولايات المتحدة يمثل تهديا مستمرا لأهداف الحلفاء ومراميهم التوسعية على حساب الدول المهزومة .  

     :- أما بالنسبة للعوامل التي دفعت الولايات المتحدة لتخاذ قرار التدخل بعد أن إعتنقت سياسة الحياد خلال الفترة السابقة ، فإننا نجد أن مبدا مونورو قد خط سياسة واضحة للولايات المتحدة فيما يتعلق بالمشكلات الأوروبية وإبتعادها عن منازعاتها وشئونها المعقدة وإتباع سياسة الحياد لضمان سلامة بلاده ،وأكد ويلسون عندما وجه رسالته للكونجرس في 22 يناير 1917 أنه لأا ينصر فريقا على آخر ، بل إنه يتمنى صلحا يراعي فيه مصالح الطرفين المتحاربين ، بل أنه كان يعتبر الإشتراك في الحرب جريمة على الحضارة ، وفي نفس الوقت كان الرأي العام الأمريكي منقسما على نفسه بشأن الإشتراك في الحرب ، فالولايات الشرقية الأمريكية أبدت تعاطفا ظاهرا نحو دول الوفاق الديمقراطية نظرا لما بينهما من روابط إقتصادية ، أما الولايات الأخرى في الوسط والغرب لم تكن متحمسة بهذا القدر ، ولهذا حدث إنقسام في الرأي العام الأمريكي ، رغم تكرار إعتداء الغواصات الألمانية على السفن التجارية الأمريكية عبر البحار ، وتوالى إرسال الإنذارات الأمريكية لألمانيا نتيجة هذا العدوان الذي لا مبرر له على سفن دول محايدة في الحرب ، ولم تكن ألمانيا تعير هذه الإنذارات إهتمام لحرصها على كسب الحرب بفرض الحصار البحري على الجزر البريطانية . 

    :- وفي 7مايو 1915م نسفت الغواصات الألمانية عابرة المحيطات البريطانية لوزتانيا ، التي كانت تحمل 118 راكبا أمريكيا  رغم أن ألمانيا حاولت تخفيف هجماتها على سفن الركاب لبعض الوقت ، إلا أنها لم تستمر في هذه السياسة بغية الضغط على إنجلترا للتسليم بسرعة ، وكانت تعتقد أن تلك الهجمات لن تؤدي إلى عدول الولايات المتحدة عن سياسة الحياد التي تمسكت بها ، وكان في إعتقادها أن قرار دخول الولايات المتحدة الحرب سيستغرق ما لا يقل عن عام للإستعداد لهذا العمل ، ولكن حادث الباخرة لوزيتانيا ، وعودة حرب الغواصات مرة ثانية ثار الرأي العام الأمريكي وبدأت فكرة الإشتراك في الحرب تجد تأييدا من الرأي العام ، وكمقدمة منطقية لدخول الحرب بدأت الحكومة الأمريكية بتسليح بواخرها التجارية لمقاومة الغواصات الألمانية نظرا للخسائر المادية والشلل الذي أصاب التجارة الأمريكية عبر المحيط .

  أما الحادثة الثانية التي ادت إلى عزم الولايات المتحدة على دخول الحرب فهي قضية زيمرمان ، وهو مساعد وزارة الخارجية الألمانية الذي أرسل إلى ممثل ألمانيا في المكسيك برقية يقترح فيها على الحكومة المكسيكية التحالف مع ألمانيا حال دخول ألمانيا الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية في مقابل إسترجاع المكسيك للأراضي التي إستولت عليها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1848 م وهي كاليفورنيا ونيو مكسيكو ، وقد تمكنت مخابرات إنجلترا الإستيلاء على هذه البرقية وإبلاغ مضمونها للولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنتها بدورها على الرأي العام الأمريكي الذي ثار لهذا العمل العدائي الألماني ، أما العامل الآخر الذي أدى إلى إشتراك الولايات المتحدة إلى جانب دول الوفاق فهو محاولة ضمان أموال ومصالح المصارف الأمريكية التي قامت بإقراض إنجلترا ، وفرنسا قروضا كبيرة لتمويل عملياتها الحربية أثناء المعارك . 

نتائج دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب   


    :- لا شك أن دخول الولايات المتحدة المتحدة الأمريكية الحرب قد عزز موقف دول الوفاق بشكل واضح وكان حاسما في ترجيح كفتهم على دول الوسط ، وفي ذات الوقت قيد حرية الوفاق سياسيا فلم تعد تلك الدول مطلقة اليد تفعل ما تشاء ، بل وجب عليها الحصول على موافقة الولايات المتحدة عند اتخاذ أي خطوة مقبلة ، ومن الناحية العسكرية وبعد تطبيق نظام التجنيد الإجباري وإعداد الجيوش وإنتاج الأسلحة اللازمة للحرب وذلك لم يتم إلا بعد عام على إعلان الحرب ، تعزز موقف دول الوفاق عسكريا حيث إستقبلت مئات الآلاف من الجنود الأمريكية المجهزين بأحدث العتاد ،فانقلب بذلك ميزان القوى إلى صالح الحلفاء منذ بدايات عام 1918م . 

   ومن الناحية الإقتصادية فقد أحكم الحصار الإقتصادي حول ألمانيا ، وبعدت إنجلترا عن موقف التسليم بعد خسرانها عدد كبير من سفنها وأصبحت عاجزة عن نقل المواد الضرورية للحرب وخاصة السلاح ، وأنقذ الموقف الأمريكي بريطانيا وحلفائها ،وأصبحت السفن الأمريكية تتولى نقل ما تحتاج إليه بريطانيا وفرنسا لمواصلة الأعمال الحربية ، وكانت الولايات المتحدة اشترطت على دول المحايدة التي تربطها بها علاقات إقتصادية ضرورة الإمتناع عن بيع ما تستوردة من بضائع أمريكا إلى ألمانيا وحلفائها وإلا توقفت الولايات المتحدة عن التعامل معها .

  :- وأخيرا فإنه من الناحية المالية فقد سهل دخول الولايات المتحدة في الحرب عملية الإقتراض لإنجلترا وفرنسا من المصارف الأمريكية لتمويل عمليات شراء المؤن والمعدات اللازمة للحرب بجانب الإقتراض من الحكومة الأمريكية نفسها ، ورغم ما جنته الدول الديمقراطية من فوائد نتيجة دخول الولايات المتحدة الحرب إلا أن التناقض كان واضحا بين الجانبين إزاء أمور الحرب ، إلا أن ذلك لم يكن له أي تأثير على التعاون بينهما حتى تنتهي أحداثها ، وسوف يكون للولايات المتحدة بحكم تفوقها العسكري وقوتها المادية ، وطبيعة الدور الذي نهضت به لتدعيم القوى الديمقراطية في العالم اليد الطولى في تنظيم أمور العالم وفق إدارتها بعد نهاية الحرب . 

تعليقات

التنقل السريع