فتنة الأمين والمأمون
مقدمة
:- حدثت هذه الفتنه في عهد أبناء وورثة هارون الرشيد وهما الأمين والمأمون وذلك في عهد الدولة العباسية ، وقد حدث ذلك النزاع بين الأخوين علي وراثة العرش العباسي بعد وفاة ابيهم الرشيد وكانت البداية في إختيار هارون الرشيد لإبنه الأمين خليفه له وأما المأمون فقد تم إختياره كخليفه ثاني أي بعد أخيه الأمين وقد منح الرشيد لإبنه المأمون ولاية عرش خرسان وبذلك يكون الرشيد قد إركب أكبر خطأ في حياته والتي ستؤدي إلى إشتعال نار الفتنه بين الأخوين ، أما إبنه الثالث وهو المؤتمن فقدعينه خليفه ثالث بعد المأمون وقد إنتشرت تلك الظاهره بين خلفاء العصر العباسي التي كانت سبب في إنهيار الدوله العباسية وإنصراف خلفائها عن شئون دولتهم إلى توطيد حكمهم . بعد وفاة هارون الرشيد سنة 809 خلفه الأمين في بغداد وذلك بتشجيع من بلاط الخليفة في بغداد وبدأ المأمون يحاول أن يعلن الحكم الذاتي في خرسان وقد غاب أخيهم المؤتمن عن المشهد ، وبمحاولة المأمون ممارسة الحكم الذاتي لخرسان فإنه بذلك يقسم مملكة إبيه بينه وبين أخيه وهو ما سيؤدي إلى إشتعال نار الفتنه بين الأخوين دون النظر إلى مملكة أبيهم وكيفية المحافظة عليها بل والتوسع في حكمهم وايضا دون النظر إلى معنى كلمة الأخوة وما تحمله هذه الكلمه من معاني عظيمه لا يمكن التغاضي عنها ، وقد طلب المأمون الدعم والمساعده من قادة خرسان وقام ببعض التحركات للتأكيد على الحكم الذاتي في خرسان وقد إزدادة الفجوة بين الأخوين وأعلن الأمين إبنه موسى وليا للعهد من بعده ضاربا بوصية أبيه عرض الحائط ، وحشد جيشا كبير وتحركت قوات الأمين نحو خرسان لكن تمكن ظاهر بن الحسين وهو قائد قوات المأمون من هزيمتهم في معركة اطلق عليها الري ثم غزا العراق وحاصر بغداد نفسها وقد سقطت المدينه بعد عام وأُعدم الأمين وأصبح المأمون خيلفه وظل يحكم من خرسان وليس بغداد .
تولية الأمين
:- تولى الأمين الخلافه وعمره ثلاثة وعشرون عام ولكن لم تتم له البيعه إلا في منتصف أبريل 809 ه ، وقد أدى ذلك إلى إثارة الفتنه بينه وبين أخيه المأمون ، وكان لوزير كلا منهما هيمنه كبيره على كلا منهما حيث سيطر الوزير الفضل بن الربيع على الأمين وسيطر الفضل بن سهل على المأمون وكان لهؤلاء الوزراء دورا كبير في إزدياد الفتنه بينهم وإشتعال نيرانها وكانت النزعه القبلية لها دورا أيضا في إزدياد الفتنه حيث إتخذ العنصر العربي والفارسي من أبناء الرشيد رمزا للصراع ببن العرب والعجم وإلتفاف كلا منهم حول صاحبه ، وكان للفضل بن الربيع دورا في إقناع الامين بعزل أخية المامون من ولاية العهد وأن يجعلها لإبنه موسى ومن ثم خلع أخيه المؤتمن أيضا من ولاية العرش ، أما دور الفضل بن سهل فقد حرص على توسيع هوة الخلاف بين الأخوين وحرص المأمون أيضا على الإستقلال بخرسان ، أما الأمين فقد أعلن البيعه لإبته موسى وسماه الناطق بالحق وأمر بالدعاء له على المنابر من بعده وقطع ذكر المأمون والمؤتمن وبذلك فقد نكث عما أخذه عليه ابوه من عهد ومواثيق .
:- أما أهل خرسان فقد أثار موقف الأمين من أخيه غضبهم فانحازوا إلى المأمون ضد اخيه وكان أولهم هرثمه بن أعين قائد الجند ، وظاهر بن الحسين الذي خرج على رأس جيش كبير معظمه من الفرس من خرسان ، وعلى الجانب الآخر فقد جهز الأمين جيشا مكون من ثمانين ألف مقاتل معظمهم من عرب الباديه وجعل عليه على بن عيسى وكان يكره أهل خرسان لأنهم دسو عليه عند الرشيد قبل وفاته وقام الرشيد بحبسه حتى أطلقه الأمين وإتخذه قائدا لجيشه .
المواجهه العسكرية بين الأخوين
:- التقى الطرفان عند مشارف الري ودارت بينهم معارك عنيفه وكان النصر حليفا لجيش المأمون بقيادة ظاهر بن الحسين وقتل على إبن عيسى قائد جيش الأمين وأعلن ظاهر بن الحسين خلع الأمين ونادى بالبيعه للمأمون بالخلافه فأرسل الأمين جيشا آخر قوامه عشرون الف مقاتل وجعل على رأسه عبد الرحمن بن جلاه الأيدي ، لكنه لقى هزيمه منكره وأُثر الكثير من جنوده وما لبث أن قتل وأرسل الأمين جيشا ثالثا بقيادة أحمد بن مزيد على رأس أربعين الف مقاتل من عرب العراق ولكن ظاهر بن الحسين إستطاع أن يبث جواسيسه داخل ذلك الجيش فأشاعوا الفرقه بين قواده وجنوده حتى إقتتلوا وإنسحبوا عائدين دون أن بلقوا خصومهم ، ولم يستطيع الأمين تجهيز جيش آخر لمواجهة أهل خرسان بعد ان رفض الساميون السير معه وإنضم عدد كبير من جنوده وأعوانه إلى خصومه وفر الكثير منهم إلى المدائن وبذلك كان النصر حليفا للمأمون .
:- ولكن سادت الفوضى والإضطرابات في بغداد عاصمة الخلافه حتى قام الحسين بن على بن عيسى بن ماهان بإنقلاب ضد الأمين وأعلن خلعه من الخلافه وحبسه هو وأمه زبيده في قصر المنصور في مارس 812 ، وأعطى ببيعته للمأمون ولكن فريقا من أنصار الأمين إستطاعوا تخليصه من الأسر وأعادوه إلى قصر الخلافه ، ثم تقدم جيش المأمون نحو بغداد فحاصروها خمسة عشر شهرا وضربها بالمجانيق حتى أُصيبت بأضرار بالغه وتهدمت أسوارها وأصابها الخراب والدمار وسادت الفوضى وعمت المجاعات حتى إضطر الأمين إلى بيع ما في خزائنه للإنفاق على جنوده وأتباعه وبدأت المدينه تتهاوى حتى سقطت أمام جنود المأمون وتم القبض على الأمين ووضعه في السجن وفي ليلة 25 سبتمبر 813 دخل عليه جماعه من الفرس في محبسه فقتلوه ومثلوا بجثته .
نتائج الفتنه
كان من نتائج فتنة الامين والمأمون أن تحطم النظام الإجتماعي والسياسي للدولة العباسية بسبب الحرب الأهليه الطويله وبدأ النظام الجديد في الظهور تحت خلافة المأمون التي ميزت الفتره الوسطى من الخلافه العباسيه وقد كان التغيير الواضح في نخبة اللذين ايدوا النظام الجديد وهم أبناء الدولة العباسيه نفسها التي فقدت موقعها في الجهاز الإداري والعسكري ، ومعها النفوذ والقوه ، وإذا نظرنا إلى هذه الفتنه الأخوية فقد كانت من ضمن السلبيات التي تميز بها العصر العباسي ، حيث كان خطأ هارون الرشيد وهو الرجل الذي كان يحج عام ويخوض حربا في وجه عدوا أو يتوسع في سلطنه عاما آخر بأن قسمها بين أبنائه وذلك بأن ولى واحدا تلو الآخر وهذا يعني أن يتمني الأخ موت أخيه أو التخلص منه حتى تخلوا له السلطه والعرش وكما ذكرنا سابقا فقد كانت تلك الظاهره منتشره في العصر العباسي وبالرغم من ذلك لم يلتزم بها أحدا بل يدخل الأخوه في صراعات عديده من أجل السلطه وأيضا ما يؤخذ على هارون الرشيد صاحب الإمبراطوريه المترامية الأطراف أنه لم يأخذ العبره ممن سبقه من الخلفاء والأوائل بتبنيهم نفس السياسه التي إتخذها بين أبنائه .
المأمون
:- أما إذا تحدثنا عن المأمون بعد إنفراده بالحكم فهو أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد ، الملقب بالمأمون فإن عهده شهد إزدهار علمي وفكري في العصر العباسي الأول حيث أنه شارك فيها بتفسه حيث أنه بعد الفتنه التي حدثت بينه وبين أخيه الأمين والتي إستمرت أربع سنوات ، وبعد إنفراد المأمون بالحكم شهدة مدة حكمه تقدم ملحوظ في كل العلوم المعرفيه من طب وفلسفه وغيرها وأيضا من ضمن إنجازات المأمون في الناحية العلمية تأسيسه لجامعة بيت الحكمه والتي كانت من أكبر الجامعات في عهده ، وأيضا تم إختراع الإسطرلاب في عهده وكثيرا من الالآت وقد حاول العلماء قياس محيط الأرض مما يدل على الإعتراف بكرويتها من ناحيه وتطور العلوم من ناحيه أخرى ونشطت عمليات الترجمه أيضا في عهد المأمون .
:- ومن أهم مميزات عصر المأمون أنه تم ترجمة العلوم والآداب المختلفه من اللغات السريانية والفارسية واليونانية إلى العربيه وتحولت اللغه العربيه من لغه للشعر والأدب فقط إلى لغه علم وفلسفه وقد عهد المأمون في فتره زمينة معينه بولاية العهد إلى علي الرضا وأخذ الشعار الأخضر بدلا من الشعار الأسود ثم عاد إلى شعار بني العباس الأسود وعين أخاه وليا للعهد وبذلك لم يخالف وصية أبيه الرشيد وقد زار المأمون مصر ودمشق وتوفى وتم دفنه بطرسوس شمال بلاد الشام في أغسطس 833م وتمت البيعه لأخيه المعتصم بالله وإستمرت عمليات الترجمه والنهضه العلميه ، كما إفتتحها المأمون في السابق .
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليقا