عروس النيل
.png)
:- هل عروس النيل خرافة أم غير ذلك ؟ هناك بين صفحات التاريخ من الآساطير ما يبعث على العجب والدهشة ، ووفاء النيل من الموضوعات المثيرة التي تناولتها أساطير القدماء والمنجمون ، فكلنا نعرف العبارة الشهيرة التي قالها الرحالة اليوناني القديم " هيرودت " عندما زار بلادنا في عهد الفراعنه العظام " مصر هبة النيل" وهو يقصد بهذه العبارة أنه لولا النيل ما كانت مصر وأنه هو السبب في نموها وإزدهارها وعلى مر الأيام ، ارتبط عيد وفاء النيل بأسطورة " عروس النيل " التي تتلخص في أن القدماء كنوا يلقون بفتاة جميلة كل عام في النيل حتى تفيض مياهه بالخير ، ومن ضمن تلك القصص والأساطير : أنه في منتصف أغسطس من كل عام كان المصريون يحتفلون بعيد يسمونه "جبر الخليج " يستمر حتى تنساب المياه الجديدة في القنوات فكانوا يقومون بصنع عروسة من الطين وعلة رأسها يضعون الذرة أو القمح في منطقة بالقرب من "فم الخليج " بالقاهرة .. وعند وصول الفيضان يجرفها وكانوا يوعمون أن النهر يتزوجها .
: - وهناك قصة أخرى تقول أن "اجيبوس" ملك مصر قد جاءه الوحى بأن يضحى بابنته بالقائها في النيل لإتقاء الكوارث التي نزلت بالبلاد وعندما فعل ذلك حزن عليها حزنا شديدا فالقى بنفسه في النهر .
:- وأخرى تقول أن عمر بن العاص عندما فتح مصر وأتى شهر بؤونة طلب منه أهلها االقاء فتاه في النيل بعد تزيينها بأحلى الثياب والحلي كعادتهم : لكنه رفض أن يقر هذه العادة وأرسل إليه كتابا يقول فيه " إلى نيل مصر ان كنت تجرى من قبلك فلا تجري ، وان كان الله الواحد القها رهو الذي يجريك ،فنساله ان يجريك"
وقيل أن عمر بن العاص ألقى بالرسالة في النيل ففاض
:- ويمكن أن نقول أن كل هذه القصص كانت أساطير خرافيه ليس لها إى أساس من الصحة ولو يثبت في الكتابات المصرية القديمة أن المصريين كانوا يقدمون تضحيات إنسانية للنيل ، وعلى كل فالنيل صانع الحياة على أرض مصرحبث أنه صنعها منذ ان عرف طريقة الى البحر المتوسط في نهاية العصر الحجري القديم ومنذ أن أخذ يجلب الغرين في كل عام يكسو به أديم الأرض فيكسبها الخصب وتدب فيها الحياة ، وهنا كانت العبارة المأثورة مصر هبة النيل تتردد على الألسنة عن هيرودوت فقد سبقه اليها هيكاتيوس الملطى وسبقهما المصري القديم نفسه فتغنى في صلواته وتراتيله الى ذلك الاله العظيم الخير الذي ياتي فى كل عام ليفيض على الأرض بمياهه ثم ينحسر عنها ليشد المصري اليها يحرثها ويبذر الحب فتبدأ الحياة بين أفراح القوم وإبتهالاتهم , لقد عرف الإنسان الاول طريقه إلى وادى النيل عندما قل المطر في شمال أفريقيا وتحولت المراعي الخصبة الى صحاري جرداء ، وفي وادى النيل تحولت حياة الإنسان من التجوال الى الإستقرار وتعلم الزراعة التي دفعته الى التعاون مع من حوله من الناس ، واتجه المصري القديم الى النيل نبع الحياة فأخذت من أعواد نباته مسكنا له ، ومن طينه كساء لهذا المسكن ثم تعلم كيف يصنع الطوب ليبني مساكن أكثر ملاءمة لأغراضه ، ومن طمى النيل صنع المصري أوانيه الفخارية ، وعلى سمكة تغذى ومن نباته صنع الفلك وتنقل بها على صفحته من مكان الى مكان أي أن النيل كان منذ أقدم العصور محور كل شئ في حياة ذلك الإنسان الذي أتى واستقر في وادي النيل الأسفل ، ولا شك أن هذا الإنسان قد أدرك منذ البداية الدور الكبير الذي يلعبه هذا النهر في حياته ، ولاغرابه إذا ما رأينا المصري القديم يقدس النيل ويجعل منه الها يجلب الخير ويحي الأرض الموات.
:- واعتقد المصري أن النيل محور العالم ومن حيث أتى النيل كانت بداية هذا العالم ولذلك إتجه المصري القديم الى الجنوب منبع الحياة ... واينما كان إتجاه النيل فقد كان الخط الذي يفصل بين الشرق والغرب وكان المصري يطلق على النيل إسم "اتيرو- عا" إى النهر العظيم أما كلمة النيل فهى تصحيف لكلمة "نيلوس " التى أطلقها اليونانيون على هذا النهر ، ومنذ عصر الأسرة الخامسة والعشرين كان المصري على يقين من أن أقطار السودان لها دخل في مياة النيل ... الإ أنه إحتفظ بعقيدته القديمة التى تقول بأن النيل ينبع من كهف في جزيرة "بيجه" ومن المعروف عن الفراعنة أنهم لم يقصروا في حق حعبى -أى النيل- طوال فترات حكمهم فهذا رمسيس الثالث الذي أنشأ أسفار <حعبى) وحددها حيث سطر فيها أنواعها مختلفة من الأطعمة والمحصولات ، وكانت تصنيع للمعبود (حعبى) آلاف من التماثيل الصغيرة من الذهب والفضة والنحاس أو الرصاص والفيروز والازورد والقيشانى ،ولذلك كانت تصنع خواتم وتماثيل ل (ربيت) زوجة (حعبى) ، وفي اللحظة التاريخية التي يجب أن يرتفع فيها منسوب مياة الفيضان كانت تقدم القرابين للمعبود (حعبى ) في كثير من المعابد حيث تلقى أسفار النيل في بركة معبد "رع حور أختى " في مدينة "أون" ، وعلى ذلك فقد أطلق المصري على النيل إسم (حعبى) ولم يكن (حعبى) هذا هو النهر المقدس وإنما كان ذلك الأله أو الروح التي تكمن وراء هذا النهر العظيم والتي تدفع بمياة فيضه الخصب والنماء ، وقد صور المصر يهذا الإله في هيئة بشرية تجمع بين الأنوثه والذكورة في هيئة صياد السمك يلتحى باللحية التقليدية للآلهة .
.png)
:- ومن الغريب أن هذا الأله قد تبوأ - رغم ما أطلق عليه من صفات والقاب -منصب الخادم للآلهه فقد كان يصور على جدران المعابد في صورته هذه يقدم خبراته إلى الآلهة الكبرى ، وكانت ترتل له الأناشيد في المناسبات الخاصة ، وأطلق المصري كثيرا من الصفات على هذا الأله فقد كان رب الرزق العظيم ورب الأسماك وخالق الكائنات وواهب الحياة ووالد الأرباب ، وغير هذا من ألقاب التعظيم ،وقد وحد المصرى بين النيل وبعض الألهة الأخرى التي كانت لها صلة بخصوبة الأرض أو المياة ،مثل (خنوم) الذي كان يطلق عليه "رب المياه الطاهرة" ومن هذا كلهنظر المصرى إلى النيل نظرة قدسية عميقة مما أتى بالبعض إلى تلقف الأساطير وتمادى المنجمون في سرد بعض الأحداث والأقاويل والقصص وهنا نذكر المثل القائل كذب المنجمون ولو صدقوا .
:- وهنا نتحدث عن نهر النيل وهو أطول أنهار العالم جميعا ويبلغ طوله من منابع كاجيرا - أبعد روافده في الجنوب حتى مصبة في البحر المتوسط حوالى 6500 كيلومتر ويحافظ في هذه المسافة الطويلة على إتجاهه نحو الشمال ويندر أن نجد نهرا يفعل ما يفعله النيل في التزامه إتجاها ثابتا في الجريان لمثل هذه المسافة حتى أننا نجد مخرجه من بحيرة فيكتوريا ومصبه عند دمياط على خط طول واحد تقريبا ، وتبلغ مساحة حوض النيل نحو 2.9 مليون كيلو متر مربع وهو بذلك ثالث أحواض العالم النهرية مساحة فلا يسبقه سوى حوض الأمازون وحوض الكونغو ، ويدخل النيل أرض مصر عند خط عرض 22 شملا ويبلغ طول الجزء المصري فيه نحو 1500 كيلومتر ويبلغ متوسط الوادى فيما بين أسوان والقاهرة نحو 10 كيلومترات ن ويبلغ متوسط عرض النهر نفسه نحو 700 متر ن ويكاد يلتزم النهر الجهه الشرقية من واديه ولا يتحول إلى الجهه الغربية إلا قليلا ، غير أن هذه الظاهرة ليست واضحة في منطقة قنا إذ يغير النهر إتجاهه المعتاد : ولكنها تظهر بوضوح إلى الشمال من نجع حمادي واتجاهه فيما تحت منفلوط ، وينحدر من النيل وهو يشق طريقة في أراضي مصر عدد من الأودية الجافة على جانبة الأيمن ، ولا شك أنها كانت تجرى بالماء في زمن قديم والإ لما نكونت ، ومن هذه الأودية وادى العلاقى أكبر أودية صحراء مصر الشرقية ، ومنابعه العليا في داخل حدود صحراء مصر الشرقية ، ومنابعه العليا في داخل حدود السودان ، وينتهي غلى النيل شمال ثنية كروسكو ، ووادى الحمامات ويمتد من نواحى القصير إلى الغرب وينتهي ألى النيل عند ثنية قنا هذا الوادى قديما كان من أهم الطرق التي تربط النيل بالبحر الأحمر ، ثم وادي قنا الذي يمتد من الشمال غلى الجنوب ويفصل بين أقليمين يختلفان في البناء الجيولوجي وفي المظهر العام ، وفي منطقة القاهرة يتصل بالنيل وادي حوف عند حلوان ووادي دجلة عند المعادى .
:- ومن الجانب الأيسر للنيل فلا توجد أودية واضحة كأودية الشرق ، وإنما يوجد منخفض من منخفضات الصحراء الشرقية يلحق بأرض الوادي وهو منخفض الفيوم الذي تربطه بالواحة فتحة اللاهون ويجرى فيها بحر يوسف وهو فرع للنيل قديم ، وتنخفض أرض الفيوم تدريجيا على شكل مدرجات كبيرة حتى تنتهي على بحيرة قارون وتقع على مستوى 45مترا تحت سطح البحر وعلى بعد نحو 20 كيلومترا إلى الشمال الغربي من القاهرة تبدأ دلتا النيل التي يجرى فيها الآن فرعان هما فرع دمياط في الشرق وطوله 245كيلومتر ، ورشيد وطوله 236كيلومتر ، ولم تكن الدلتا دائما كذلك ، وإنما كانت كدلتاوات الأنهار جميعا في بداية أمرها أرضا كثيرة المنافع ، لم تتحدد فيها مجاري الماء ولم يتخذ النهر فيها طريقا أو طرقا ثابته إلى البحر ، بل كان دائم التردد بين مجرى وآخر ، وكانت الرواسب التي يحملها تسد أحد المجاري ، فيتحول الماء إلى منخفض جديد يجرى فيه ويكاد العلماء يجمعون على أن الدلتا في العصور التاريخية كان يشقها سبعة أفرع أخرى للنيل ، ولم يبق منها سوىة الفرعين الذين نراهما الآن دمياط ورشيد .
:- والآن وفي النهاية إذا كان الفراعنة من كثرة تعظيمهم للنيل والإعتراف بالفضل والخير الذي يتسبب فيه كتبوا فيه الأساطير وبالغ المنجمون في ذلك من باب تعظيمة وتخليده ماذا فعلنا نحن للنيل ؟ لقد أصبح للنيل رائحة كريهه لأنه لا يتحرك وإذا تحرك ينحت الشاطئين وأخذ يسترد ما أعطى وأخذ البحر يأكل الدلتا ، ونحن نرتكب يوميا كثيرا من الأخطاء في حقة ، فقد أصبحنا ليل نهار نقوم بالقاء القمامة والحيوانات الميته فيه ، فصار مقبرة للتلوث ، وكما أنه لم يسلم اليوم من التلوث ،فهو أيضا لم يسلم من الخرافات ، فقد شاع بأن المصريين يلقون إليه كل عام بعروسة حلوة ، هذه العروسة لا تكاد تسقط في النيل ويبتلعها حتى يفيض ويفيض ، ويسمون هذه المناسبة وفاء النيل ولا أعرف ما المقصود بكلمة وفاء ÷ذ هل هذا الوفاء مقابل إلقاء العروس أم سيرفض إذا رفضنا نحن الوفاء بالقاء هذه العروسة الجميلة إليه ؟
وفي النهايه نقول لم يحدث أن القى الفراعنة بعروس للنيل ولكنهم عظموه وخلدوه ، وواجبنا نحن البشر في ذلك الوقت المحافظه على تلك المياة والمحافظه على الحياة التي تشع من نهر النيل لأنه لو لم يكن هناك مياه لم يكن هناك حياة وواجبنا أن نرشد أيضا إستهلاكنا فى المنازل من باب المحافظه على المياه ومن باب عدم التبزير والإسراف حيث أنه صدق من قال نقطة المياه تساوى حياة .
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليقا