سر التحنيط الفرعوني
.png)
:- سر التحنيط عند الفراعنة وماذا وراء ذلك ؟ وما الذي كانوا يعتقدونه في تلك الفتره ؟ كل ذلك سنتعرف عليه ونعرضه في ذلك الموضوع الشيق الذي أدى إلى البحث العميق والتدقيق من قبل العلماء لكى يصلوا إلى أسبابه والطريقة المتبعه في ذلك ونتائجه ، حيث كان المصريين القدماء منذ بداية تاريخهم يدفنون موتاهم في الصحراء ، فكانت ولاشك في ذلك هي التي أوحت إليهم بفكرة الخلود بعد الموت ، فرمالها الجافه البعيدة عن رطوبة الوادي وحرارة الطقس على مدار السنة جففت جثث الموتى تجفيفا طبيعيا وأبقت لها المظهر الخارجي الذي جعل الإنسان يرى في الموت نوعا من الإنتقال من دنيا تمتاز بالحركة إلى الدنيا مماثلة ، وأن كانت الحركة تنقصها ، ونظرا لأعتقاد المصريين بأن المحافظة على الجثة هي الضمان الأول للتمتع بالدنيا الثانية وبالحياة الأبدية ، فقد لعب التحنيط عندهم دورا رئيسيا وأعطوه كل عنايتهم وسخروا علومهم وخبراتهم للوصول به إلى حد الكمال ، ولسنا ندري على وجه التحديد متى بدأ المصري يحنط جثث موتاه تحنيطا صناعيا ، والأرجح أن ذلك يرجع إلى لأيام العصر العتيق ، وقد بلغ التحنيط حدا كبيرا من التقدم في الأسرة الثالثة ،ومن خير الأمثلة تحنيط أحشاء الملكة حتب حرس أم خوخو من أوائل أيام الأسرة الرابعة والتي عثر عليها في صندوق من المرمر مقسما إلى أربعة أقسام زود كل قسم منها بمادة التحنيط وهى التى عثر عليها في حجرة الدفن بمقبرتها في منطقة الجيزة .
:- ولكن من المحزن أنه لم تصل نصوص تسجل لنا مراحل التحنيط من العصور الفرعونية ، ولكن توجد وثائق من العصر الروماني ، و أن المرؤرخ الإغريقي هيرودوت سجل وصفا دقيقا لهذه المراحل وذلك عندما زار مصر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد وكانت مادة التحنيط لا تزال منتشرة بين الناس ، حيث يقول إذا مامات مصرى حمل أقرباؤه جثته إلى المحنطين الذين يعرضون نماذج ثلاثة مصنوعة من الخشب ، وتمثل الأنواع الثلاثة من التحنيط وأغلاها الطريقة التي إتبعت في تحنيط جثث أوزوريس والطريقة الثانية أقل تكلفة ، أما الطريقة الثالثة فهى أقل ما يمكن عمله ولا تكلف الإ القليل من المال ‘ فإذا ما إتفق الطرفان تسلم المحنطون الجثة وبدأوا عملهم بإخراج المخ من الجمجمة بآلة معدنية لها طرف ملتو ، ثم يفتحون جانب الجثة ليخرجوا من الفتحة كل ما تحويه من أحشاء وعناصر رخوة ثم يقومون بغسلها من الداخل بنبيذ البلح وسوائل أخرى ذات عبق طيب ، وإذا ما إنتهوا من ذلك يقومون بوضع الجثة بأكملها فى ملح النطرون لمدة أربعين يوما ، ومن هنا نقوم بإحياء ذكرى الأربعبن عندنا حتى الآن ، وإذا ما إنتهت هذه المدة غسلوا الجثة جيدا ثم لفوها في قماش كتانى بعد أن يغسلوه فى سائل لاصق .
:- ولقد أثبتت أبحاث االكثيرين من علماء الكيمياء والطب صحة ما قاله هيرودوت ، وزادوا عليها أن المحنطين كانوا يلفون اصابع اليدين كلا على حدة بلفائف رقيقة جدا ، ثم يلفون اليدين والقدمين ، وبعد الإنتهاء من هذا يأخذون في لف الجثة بأكملها بكفن يصل طوله إلى مئات الأمتار ، وفي نهاية الأمر ، يحكمون اللفائف حول الجثة بأشرطة من قماش سميك تتخذ إتجاهات متعارضة وتبدو كما لو كانت شبكة تحيط بالجثة ، كما يؤكد هؤلاء العلماء أن تجفيف الجثة بإخلائها من كل العناصر الدهنية ، ثم يتم وضعها في كمية من ملح النطرون فإذا ماتمت هذه العملية ملئت جميع الفجواات داخل الجسم والرأس بمادة حمضية يستخرجها المصري من خشب الأرز ، وكانت تملأ بلفائف من الكتن مغموسة في مادة صمغية .
:- ومن المعروف أيضا أن المصري إعتاد وضع أنواع مختلفة من التمائم بعضها من الأحجار نصف الكريمة وبعضها من القيشاني مع الجثة ، وكثيرا ما عثر مع جثث بعض الملوك على تمائم ذهبية وضعت داخل فجوة الصدر تأكيدا لضمان الحياة الثانية ولضمان الحماية من الأضرار والأخطار التي يقابلها الميت أثناء رحلته الطويلة في العالم السفلي ، وكون المحنطون من أنفسهم طبقة معينة ، ختمت عليها طبيعة عملها أن تبقى منعزلة عن غيرها من الطبقات ، كما إنقسمت طبقاتها هذه إلى مراتب مختلفة منها المحنط العادى "أوت" ثم المحنط صاحب الختم الذي علية أن يختم الجثة بعد الإنتهاء من تحميطها وقبل البدء في عملية لفها في كفنها ، ثم بعد ذلك المحنط كاهن "أنوبيس" ثم رئيس العلرف بأسرار التحنيط ، ثم في نهاية الأمر الكاهن المرتل الذي كان واجبة القيام يترتيل بعض الصلوات المعينة في كل مرحلة من مراحل التحنيط المتعددة ، وكانت مهمة الكاهن المرتل رئيسية ،لأنه يقوم بأداء الطقوس الجنائزية المتوارثة والني أجريت للأله أوزوريس عند تحنيط جثته ، وقد إعتقد المصري أن التقصير في أداء هدذ التراتيل يهدد صاحب الجثة في حياته الأبدية ، الأمر الذي تجنبه كل مصري وحول جاهد أن يؤديها كاملة حتى لا يقف شيئا يؤخر إستمتاع الميت بما ينتظره من نعيم وليس أدل على ذلك من العبارة التى يخثتم بها الكاهن المرتل تراتيلة
" سوف تعيش ... سوف تعيش أبدا ..سيعود لك الشباب وسيبقى شبابك أبدا "
.png)
:- وبمجرد نظرة واحدة يلقيها الزائر على موميات ملوك مصر الفرعونية تكفى للتدليل على مدى الدقة والبراعة التي وصل إليها المصريون القدماء في تحنيطهم لجثث موتاهم إذ أن ملامح الكثير من الجثث لا تزال تشابه ملامح تماثيل أصحابها وصورهم ، ومن هنا برع المصريون القدماء في تحنيط الموتى لإعتقادهم في فكرة البعث والخلود والتى يقصد بها عودة الحياة للمتوفي بعد موته ولكن تلك الحياة مختلفة حيث أنها حياة أبدية لا موت فيها ولا شقاء وحرص المصريون القدماء على وضع التحف الفنيه والـماثيل والخدم والذهب مع المتوفي ذو الشخصية الهامة حتى يكون له نفس المقام في العالم الآخر والذي يعثر عليه الباحثين في الآثار من ثماثيل غاية في الروعة والجمال والتي تحتفظ بها متاحف العالم أجمع وأشهرها وأيضا كانت فكرة الأهرامات للإعتقاد أيضا في البعث والخلود حيث تطور دفن الموتى من دفنهم في باطن الأرض إلى بناء الأهرامات الثلاثة وقبلهم هرم زوسر المجرد الذي كان فكرة سابقة للأهرامات الثلاثه الذين كانوا وسيزالوا من عجائب الدنيا مهما بلغ التقدم والرقي وكثرة ناطحات السحاب الآن لايمكن أن يتأثر تاريخ هؤلاء الفراعنة العظام .
:- وكان من شدة وبراعة الفراعنة في تحنيط ودفن موتاهم أنهم إتجهوا إلى تجمعهم في مقبرة محدودة يصعب دخولها وتسهل حراستها ، والآن يرقد في المتاحف المرية أكثر من 200 مومياء ملكية وغير ملكية ، فهل نفعل بهم مثلما فعل الأجداد في إعادة دفنهم وإكرام مثواهم ؟ وهناك من يعترض مع ذلك بحجة أن الموميات كانت مدفونه وتم التعدى عليها ، فإذا تم إعادة دفنها مرة أخرى يخشي أن يتم ذلك مرة آخرى ، ولكن الإحتفاظ بها في المتاحف سيوفر لهم العنايه من جانب علماء الآثار وحمايتهم من أى إعتداء أو أطماع وأيضا يمكن أن يصل علماء الآثار إلى سر التحنيط الذي لازال مبهم حتى ذلك الوقت ، حيث أصبح موضوع الموميات الفرعونية وتحنيطها علما وبدونها ما كان لدينا معلومات عن التحنيط وأسرارة والطرق التي إستعملها القدماء المصريين والتي لا تزال ضربا من ضروب الإعجاز العلمي ، فالموميات في حد ذاتها تمثل العلم والقدرة والإجلال فالسائح الذي يسافر من بلدة إلى هنا لا يأتى إلا ليرى عظمة وجلال هؤلاء القوم ، وحتى الآن لم تكف أيدى الباحثين عن الكتاية عن موميات الفراعنة ، فهناك الآلاف من المجلدات التي تحكي عنها ، فإذا نحن قمنا بدفنها بأية وسيلة كانت ، حيث أن وسائل الدفن بالنسبة للفراعنة ليست وسائل عادية لان الفراعنة كانوا يغلفون موتاهم بطرق معينة لا ولن يستطيع أحد أن يدركها ، فقد فشل الفرنسيون في إعادة اللفائف الخاصة بمومياء فرعون مصر رمسيس الثانى التي أرسلت إليهم إلى وضعها الأول ، وبالتالي يسهل مراقبتها ومعرفة ما يطرأ عليها من تغيرات من أجل حمايتها ، فهي ليست أجساما للفراعنة فحسب بل هي قدرتهم العلمية التي يجلها كل مصرى وأجنبي ، فكيف تدفن هذه الموميات بأى وسيلة كانت ، فإذا كان لابد من حجبها عن الناس فلنعد الى الوضع القديم يغلق حجرة الموميات وفي ذلك توفير المجال لصيانها ، وهو ما لا يتأتي في حالة دفنها بأية صورة وهناك شئ واحد جدير بالإعتبار وهو ضرورة وقف تعريض الموميات لأى نوع من أنواع التحاليل التي أصبح العالم يقبل عليها الآن بقصد التجربة ، رغم أن نتائج التجارب معروفة مقدما على أنها لا تأتي بنتائج صحية مثل تحليل دماء الفراعنة .
:- والغالبية من الأثريين تؤيد إكرام مثواهم ، فنحن لسنا أقل من أجدادنا حينما أكرموهم ، ولاجدال لإي أن للموتى حرماتهم وللأجداد جلالهم ، وربما لم يكن هناك إعتراض من حيث المبدأ على إعادة دفن جثث الفرعنة في مقابرهم لو توافرت لهذه المقابر حالتها التي كانت عليها ، وأمكن تأمينها بجثثها تأمينا معنويا وماديا كاملا ، غير أن هذا يقتضى بطبيعة الحال دراسة الوضع اراهن لقاعرات الدفن في كل مقبرة على حدة ، والتعرف على مدى صلاجيتها لأداء أغراضها ، وهكذا قد يكون من الستحسن إعادة أسكان الفراعنة في مساكنهم الصغرى وهى التوابيت الأصلية التي عثر عليها حتى الآن ، فالقبر في مصر القديمة كان بمثابة البيت الكبير لجثة صاحبة وبيت الأبدية "برنح" بالمصرية ، في حين التابوت كان يعتبر مسكنه الأصغر أو الخاص ، وفي هذه الحالة يتعين تعثيم التوابيت الأصلية تعقيما كاملا قبل أن تأوى إليها جثثها وتأمينها بأغطيتها ، ولا مانع من تنظيم عرض هذه التوابيت وماتحتوية بداخلها في نطاق المتجف عرضا كريما مميزا وهذا لو وضع بجانب كل تابوت تمثال أو تصوير قديم لصاحبة في حياته وتوير آخر حديث لما كانت عليه جثته حين الكشف عنها ، بما يعبر عن مهارة التحتنيط وإعجازة في مصر القديمة ، هكذا تضاربت الآراء حول دفن موميات الفراعنة أم إبقائها على حالها في المتاحف وكل رأي كان يدلل بأمثله وأسباب وأدلة على رأيه ولكني أفضل الرأي الأول وهو الإبقاء على حالتهم في عرض المتاحف لان ذلك إعجاز عملي في حد ذلته وأيضا حتى يسهل ملاحظة التغيرات والتطورات التي تطرأ عليهم مع مرور الوقت ، وأيضا إذا كان الرأي الذي يقول ضرورة عودتهم إلى حالتهم الاولى ودفنهم فكيف يحدث ذلك ومازال أسرار التحنيط مبهمة ولم يصل علماء الآثار على كل حذفيرها .
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليقا